ابن حزم
418
الاحكام
وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية ) * قال : فقد أخبر تعالى أن منها ما يهبط من خشية الله ، فدل ذلك على أن لها عقلا ، أو كلاما هذا معناه . قال علي : ونحن نقول : إن من العجب العجيب استدلال هذا الرجل بعقله على أنه لا يخشى الله تعالى إلا ذو عقل ، فهلا استدل بذلك العقل نفسه على ما شاهد بحسه من أن الحجارة لا عقل لها ، وكيف يكون لها تمييز وعقل ، والله تعالى قد شبه قلوب الكفار التي لم تنقد إلى معرفته عز وجل بالحجارة في أنها لا تذعن للحق الوارد عليها ، فكذب الله تعالى في نفيه المعرفة عن الحجارة نصا ، إذ جعلها تعالى بمنزلة قلوب الكفار في عنود تلك القلوب عن الطاعة له عز وجل ، فكيف يكون للحجارة عقل أو تمييز بعد هذا . فإن قال قائل : فما وجه إضافة الخشية إلى الحجارة ؟ قلنا له ، وبالله تعالى التوفيق : قد قدمنا أن الله تعالى رتب الأسماء على المسميات ، وجعل ذلك سببا للتفاهم ، ولولا ذلك ما كان تفاهم أبدا ، ولا فهمنا عنه تعالى شريعة ، ولا علمنا مراده عز وجل في أمر ولا نهي ، ولا في خبر أخبرنا به ، وعرفنا تعالى بذلك التمييز الذي وضع فينا من صفات المخلوقات ما قد عرفناه ، وجعل لتلك الصفات أسماء نعبر بها عنها ونفاهم بها الاخبار عنها . فكان مما رتب لنا من ذلك في اللغة العربية ، إن سمينا تمييزا حال من رأيناه يفهم ويتكلم ويسأل عن وجوه الأشياء المشكلة ، فيجا ب فيفهم ، ويسأل عما علم منها فيجب ويحدث بما رأى وشاهد وسمع ، ويؤمر بالكلام وينهى عن ضروب مختلفة من الأفاعيل ، فيفهم ما يزاد منه كل ذلك . وكان مما رتب لنا أيضا عز وجل أن لم تكن فيه هذه الصفات سميناه غير مميز ، فإن كان من الحيوان مما سوى الملائكة والجن والانس سميناه حيا غير مميز ، وإن كان من غير الحيوان سميناه جمادا غير حي ، إن كان من الشجر أو الحجارة أو الأرض أو الماء أو النار أو الهواء أو غير ذلك . وأقر تعالى هذه الرتب في أنفسنا - بما وضع فيها من التمييز - إقرارا صار من أنكر شيئا منه ربما آل به إلى أن نسقط عنه الحدود ، ولا يقتص منه إن قتل . وتسقط عنه الشرائع ، ويصير في محل من لا يخاطب لعدم عقله وتمييزه ، فإن زاد ذلك ، لم يؤمن عليه أن يغل ويداوي دماغه الذي هو منبعث الحس والحركة ، بأنواع كريهة من العلاج . فلما